سيد قطب
2698
في ظلال القرآن
شتى في مشاهد الكون ، وفي مشاهد الحشر ، وفيما هم فيه من الأمر ؛ بعد أن يعرض عليهم دلائل الصدق فيما جاءهم به رسولهم - صلّى اللّه عليه وسلّم - وكيف يتلقاه فريق من أهل الكتاب بالإيمان واليقين بينما هم يتلقونه بالكفران والجحود . وهو رحمة لهم من العذاب ، لو أنهم كانوا يتذكرون . والتعقيب الأول على القصة يدور حول دلالتها على صدق دعوى الوحي . فرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يتلو عليهم تفصيلات الأحداث كما يقصها شاهد العيان ؛ وما كان حاضر أحداثها ، ولكنه الوحي يقصها عليه من لدن عليم خبير ، رحمة بقومه أن يصيبهم العذاب بما هم فيه من الشرك ، « فَيَقُولُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . . « وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ ، وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ . وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ؛ وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ؛ وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ، فَيَقُولُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا : لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ! أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ؟ قالُوا : سِحْرانِ : تَظاهَرا . وَقالُوا : إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ . قُلْ : فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ . إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ . وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » . . والغربي هو الجانب الغربي للطور الذي جعله اللّه ميقاتا مع موسى - عليه السّلام - بعد أجل محدد . . ثلاثين ليلة ، أتمها بعشر . فكانت أربعين ليلة ( على ما ذكر في سورة الأعراف ) وفي هذا الميقات قضي الأمر لموسى في الألواح ، لتكون شريعته في بني إسرائيل . وما كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - شاهدا لهذا الميقات ، حتى يعلم نبأه المفصل ، كما ورد في القرآن الكريم وإن بينه وبين هذا الحادث لقرونا من الناس - أي أجيالا متطاولة : « وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ » . فتلك دلالة على أن الذي نبأه به هو العليم الخبير ، الذي يوحي إليه بالقرآن الكريم . ولقد تحدث القرآن كذلك بأنباء مدين ، ومقام موسى - عليه السّلام - بها وتلاها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وما كان مقيما في أهل مدين ، يتلقى عنهم أخبار هذه الفترة بمثل ذلك التفصيل الذي جاءت فيه : « وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ » بهذا القرآن وما فيه من أنباء السابقين . كذلك صوّر القرآن موقف المناداة والمناجاة من جانب الطور بدقة وعمق : « وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا » وما سمع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - النداء ، وما سجل في وقتها تفصيلاته . ولكنها رحمة اللّه بقومه هؤلاء ، أن قص عليه تلك الأنباء الدالة على صدقه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما يدعوهم إليه ، لينذر هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله - فقد كانت الرسالات في بني إسرائيل من حولهم ، ولم يرسل إليهم رسول منذ أمد طويل ، منذ أبيهم إسماعيل : « لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » . فهي رحمة اللّه بالقوم . وهي حجته كذلك عليهم ، كيلا يعتذروا بأنهم أخذوا على غرة ، وأنهم لم ينذروا قبل أخذهم بالعذاب - وما هم فيه من جاهلية وشرك ومعصية يستوجب العذاب - فأراد اللّه أن يقطع حجتهم ، وأن يعذر إليهم ، وأن يقفهم أمام أنفسهم مجردين من كل عائق يعوقهم عن الإيمان :